عبد الرحمن ابن احمد الصدفي المصري
305
تاريخ ابن يونس الصدفي
ج - هدوء طبعه وموضوعيته ، وعفّة لسانه : هذه سمة أخرى من سمات شخصية مؤرخنا « ابن يونس » ، وهي ذات أهمية بالغة ؛ لأن الهدوء والمنطق العقلانى ، والنزاهة في القول ، مما يجب أن يتحلّى به العلماء الحقيقيون . وقد ضرب ابن يونس في هذا المجال مثلا طيبا ، عن طريق ما خطّه قلمه من تعليقات هادئة ، لا إسفاف ولا ابتذال فيها ، يحكمه - في ذلك كله - خلق قويم ، ولسان عفّ نزيه ، وموضوعية لا تعرف التحيز والهوى . وقد سلك ابن يونس في هذا الإطار مسالك شتى ، منها : 1 - أنه كان يفرق جيدا بين المستوى الأخلاقي والمستوى العلمي ، فقد يكون الرجل صالحا فاضلا ثقة ، لكن علمه لحقه شئ من الاضطراب والضعف « 1 » ، أو لم يكن على معرفة صحيحة قويمة بعلم معيّن « 2 » ، فكان يعطيه حقه من الثناء . وينبّه على ما في مستواه العلمي من خلل . 2 - أنه كان يعبّر عن المستوى العلمي للمترجم له بصورة هادئة ، ومعبّرة في الوقت ذاته - وبدقة - عن حقيقة حاله ، كما في قوله عن أحد المحدّثين : « ليس بالقوى في الحديث » « 3 » ، وقوله عن آخر : « منكر الحديث » « 4 » . وأحيانا يميل إلى أن نكارة المرويات ترجع إلى الراوين عن المترجم له « فقد ينسبون إليه ما لم يحدّث به » « 5 » . وقد لا يكون لابن يونس فيه رأى محدد ، لكنه طالع تشكيك البعض في وثاقته ، فكان يثبت ذلك
--> ( 1 ) كما في ( تاريخ المصريين ، ترجمة رشدين بن سعد ، برقم 476 ) . أما غير ابن يونس ، فكان أعنف رأيا ، وأقسى عبارة ، وأشد تصرفا ( قال ابن يونس في ( المصدر السابق ) : وأساء فيه يحيى ابن معين القول ، ولم يكن النسائي يرضاه ، ولا يخرّج له ) . ( 2 ) راجع السابق ( ترجمة عبد العزيز بن قيس ، رقم 862 ) ، قال : وكان ثقة ، ولكن لم يكن من أهل المعرفة بالحديث . ( 3 ) السابق ( ترجمة زيد بن محمد السامي ، ترجمة 520 ) . وربما كان قصده أن أحاديثه ليست بدرجة الصحة الواجبة ، أو أن اهتمامه بالحديث كان يسيرا ؛ لأنه قال عنه : حدّث عن يونس ، وابن أخي ابن وهب بشئ يسير . ( 4 ) السابق ( ترجمة شمر بن نمير ، رقم 654 ) . والمعنى : له أحاديث يخالف في روايتها ما رواه الثقات . ( 5 ) كما ورد في ترجمة ( أسد بن موسى ، رقم 87 في « تاريخ الغرباء » ، قال عنه ابن يونس : حدّث بأحاديث منكرة ، وأحسب الآفة من غيره .